الشيخ محمد مهدي الآصفي

18

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) . « 1 » وهذه هي المرحلة والسمة الأولى من سمات الحج . « 2 » * * * المرحلة الثانية : الإنصهار في الجماعة فإذا تجرّد الإنسان عن ( الأنا ) ، وانسلخ عن ذاته ، وجد نفسه فجأة في وسط حشد بشري كبير هادر ، ينطلق من الميقات إلى الكعبة ، كما تصبُّ الأنهر في البحر . من كل ميقات من هذه المواقيت التي وقّتها رسول الله ( ص ) يجري نهر كبير من الناس ، يتدفق ويصبّ في الحرم حول الكعبة ، فتتجمع هذه الأنهر حول البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل 8 ، وفي هذا الخضم البشريالمتلاطم لا يشعر الإنسان بذاته ، ولا يشعر بكينونته الفردية . . . وتذوب شخصية الفرد في هذا التيار البشري العظيم ، ويتضاءل عنده الإحساس ب - ( الأنا ) ، حتى لا يكاد يشعر به صاحبه ، ويقوى عنده الإحساس ( بالجماعة ) و ( نحن ) و ( الأُمّة ) بدل ( الأنا والأنا

--> ( 1 ) الأنعام : 162 ( 2 ) لكي يكون تعبيرنا دقيقاً في هذا البحث لابد أن أقول : إنّ هذه النقاط تعبّر عن حالة رمزية للمحاولة للتخلص عن سلطان الأنا والهوى وحالة البطر والرئاء في حياة الإنسان ، وتشعر الإنسان بهذه المحاولة لتحجيم سلطان الأنا والهوى في حياته . وهي في نفس الوقت تدخل الإنسان في دورة تدريبية مؤقتة تمكنه من تحجيم سلطان الذات والهوى إذا رجع إلى ساحات حياته الّتي يألفها ، وهي ( البيت ) و ( السوق ) و ( الشارع ) . واستثناء المرأة من بعض هذه النقاط لا ينفي الحقيقة التي قررناها آنفاً ؛ فإن حالة الرفق بالمرأة واضح في هذا الاستثناء ، فيما يتعلق بأحكام المرأة في الحج ؛ ولاينفي ذلك الخط العام الذي شرحناه لدور الإحرام والميقات في حياة الحجاج رجالًا ونساءاً .